الشنقيطي
322
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النور : 2 ] الآية . لأنّ هذه العقوبة تردعه وأمثاله عن الزنى ، وتطهّره من ذنب الزنى كما تقدّم . وسيأتي إن شاء اللّه تعالى تفصيل ما يلزم الزناة من ذكور إناث ، وعبيد وأحرار « في سورة النور » . وتشريع الحكيم الخبير جلّ وعلا - مشتمل على جميع الحكم من درء المفاسد وجلب المصالح ، والجري على مكارم الأخلاق ، ومحاسن العادات ، ولا شكّ أنّ من أقوم الطرق معاقبة فظيع الجناية بعظيم العقاب جزاء وفاقا . ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم : هديه إلى أنّ التقدّم لا ينافي التمسّك بالدين . فما خيّله أعداء الدين لضعاف العقول ممّن ينتمي إلى الإسلام : من أنّ التقدّم لا يمكن إلّا بالانسلاخ من دين الإسلام - باطل لا أساس له ، والقرآن الكريم يدعوا إلى التقدّم في جميع الميادين الّتي لها أهمّية في دنيا أو دين . ولكن ذلك التقدّم في حدود الدين ، والتحلّي بآدابه الكريمة ، وتعاليمه السماويّة ؛ قال تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [ الأنفال : 60 ] الآية ، وقال : * وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً [ سبأ : 10 - 11 ] الآية . فقوله : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ يدلّ على الاستعداد لمكافحة العدوّ ، وقوله وَاعْمَلُوا صالِحاً يدلّ على أنّ ذلك الاستعداد لمكافحة العدوّ في حدود الدين الحنيف . وداود من أنبياء « سورة الأنعام » المذكورين فيها في قوله تعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ [ الأنعام : 84 ] الآية ، وقد قال تعالى مخاطبا لنبيّنا صلى اللّه عليه وسلم وعليهم بعد أن ذكرهم : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] . وقد ثبت في صحيح البخاري عن مجاهد أنّه سأل ابن عبّاس رضي اللّه عنهما من أين أخذت السّجدة « في ص » فقال : أو ما تقرأ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فسجدها داود ، فسجدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . فدلّ ذلك على أنّا مخاطبون بما تضمّنته الآية مما أمر به داود . فعلينا أن نستعدّ لكفاح العدوّ مع التمسك بديننا ، وانظر قوله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ فهو أمر جازم بإعداد كلّ ما في الاستطاعة من قوّة ولو بلغت القوة من التطوّر ما بلغت . فهو أمر جازم بمسايرة التطوّر في الأمور الدنيويّة ، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا طرأ تطوّر جديد . ولكن كلّ ذلك مع التمسّك بالدين . ومن أوضح الأدلّة في ذلك قوله تعالى : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : أبو داود في الأضاحي حديث 2818 و 2819 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 2069 ، وابن ماجة في الذبائح حديث 3173 .